زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر.. محطة تاريخية تؤكد مكانة الجزائر الحضارية
أعلن الفاتيكان، أن البابا ليون الرابع عشر يعتزم القيام بزيارة رسمية إلى الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ الجزائر، خاصة أن الجزائر تعتبر مهد القديس أوغستين، أحد أكبر أحبار المسيحية في التاريخ الكنسي، وهي شخصية يبدي سيد الفاتيكان الجديد تأثرا كبيرا بها.
وخلال زيارته إلى الجزائر، ينتظر ان يزور البابا العاصمة الجزائرية ومدينة عنابة بين 13 و15 أفريل، حيث يشير اختيار مدينة عنابة كمحطة ثانية لزيارة البابا، إلى رمزية هذه المدينة التي تحتضن كنيسة القديس أوغستين. والمعروف أن البابا ليو الرابع عشر متأثر بهذه الشخصية الكبيرة، فقد صرّح بمجرد تنصيبه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في ماي 2025، أنه “أوغستيني المنهج”.
وكانت كلمات الوافد الجديد على المنصب البابوي، قد فجّرت موجة من الاهتمام العالمي والإقليمي بأوغستين، الذي عاش قبل 16 قرنًا في الجزائر وأثّر بفكره اللاهوتي والفلسفي في مجمل الفكر المسيحي الغربي.
والقديس أوغسطين (354م – 430م) هو أحد أبرز أعلام الفكر المسيحي والفلسفي في التاريخ، وُلد في في سوق أهراس، وعاش جزءاً كبيراً من حياته في مدينة هيبون (عنابة حاليا).
ويعتبر أوغستين أحد “آباء الكنيسة اللاتينية الأربعة” وكان له تأثير عميق في صياغة العقيدة المسيحية الغربية. جمع بين العقلانية الفلسفية المتأثرة بأفلاطون وأفكار المسيحية، فصاغ رؤية لاهوتية وفلسفية شاملة ظلّت مرجعاً لقرون طويلة. ولا تزال كتاباته، مثل “الاعترافات” و”مدينة الله”، تُدرّس حتى اليوم في كبريات الجامعات والمعاهد الدينية، وتعتبر من اللبنات الفكرية الأساسية في الحضارة الغربية المسيحية.
وعقب انتهاء جولته الاولى إلى تركيا ولبنان في ديسمبر الماضي، أبدى البابا رغبته في زيارة الجزائر بهدف رؤية الأماكن التي عاش فيها القديس أوغستين.
كما يُتوقع أن تستقطب زيارة البابا إلى الجزائر اهتمام اعلاميا كبير، وسيقوم بدوره بحثّ قادة العالم على دعم التنمية في أفريقيا، ويسلط الضوء على جهود الحوار الكاثوليكي الإسلامي، إذ يقول مسؤولون في الفاتيكان وقادة الكنيسة في أفريقيا إن زيارة البابا المرتقبة تعكس الأهمية التي توليها الكنيسة للقارة.
وهو ما يجعل من زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر محطة تاريخية ذات أبعاد دينية وحضارية ودبلوماسية عميقة. كما تعيد هذه الزيارة الاعتراف بالدور التاريخي للجزائر في تشكيل جزء من الفكر الغربي المسيحي، لكون مدينة عنابة تكتسي أهمية خاصة ضمن زيارة بابا الفاتيكان، لأنها المدينة التي شهدت المرحلة الأهم في حياة القديس أوغستين الفكرية والروحية.
كما ان زيارة البابا إلى عنابة خصوصا تمثل لحظة رمزية تعيد ربط الحاضر بالماضي المتوسطي المشترك بين الجزائر وأوروبا، وعموما كرد على الأبواق في الخارج التي تريد تقديم الجزائر على أنها دولة معزولة دوليا، وتأكيدا للدور التاريخي والحضاري للجزائر في الفضاء المتوسطي.
فالجزائر التي غُيب تاريخها وحضارتها عمدا، سيعرفها العالم من خلال هذه الزيارة انها ارض القديس اوغستين والقديسة سانتا مونيكا وانها أرض الحضارات.
ثم يأتي هذا "الاستثمار في الدبلوماسية الروحية" كخطوة مدروسة من صناع القرار لترميم الواجهة الدولية للجزائر التي تأثرت بعض الشيء برواسب "المأساة الوطنية".
أبعاد زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر
البعد الدبلوماسي:
تشكل زيارة بابا الفاتيكان فرصة لتعزيز صورة الجزائر كفاعل معتدل ومتوازن في الساحة الدولية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والدولية المرتبطة بقضايا الهوية والدين.
البعد الجيوسياسي:
تمثل الجزائر نقطة توازن بين إفريقيا وأوروبا، وزيارة البابا تعزز هذا الدور الرمزي، خاصة في سياق العلاقات المتوسطية.
زيارة البابا وتعزيز القوة الناعمة الجزائرية في عالم أصبحت فيه القوة الناعمة عنصرًا أساسيًا في العلاقات الدولية، يمكن لزيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر أن تشكل فرصة استراتيجية لتعزيز الحضور الثقافي الجزائري دوليًا.
البعد الديني:
تعزز الزيارة العلاقات بين الجزائر والكرسي الرسولي، وتؤكد أهمية الحوار بين الأديان في منطقة المتوسط.
البعد الحضاري:
تؤكد الزيارة أن الجزائر ليست فقط دولة حديثة الاستقلال، بل هي فضاء حضاري عميق ساهم في تشكيل الفكر الإنساني. وأن الجزائر هي أرض تلاقت فيها الحضارات عبر التاريخ: الأمازيغية، الرومانية، الإسلامية، والمتوسطية.
والأهم أن الدولة الجزائرية قدمت وتقدم مقاربة متوازنة لهذا الإرث، في رسالة واضحة مفادها أن التراث الإنساني المشترك عنصر قوة لا مصدر صراع، وهذا ما يجعل من زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل محطة تاريخية تؤكد مكانة الجزائر الحضارية في الفضاء المتوسطي وهو ما يمكن البناء عليه ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى، تسمح بتعزيز القوة الناعمة الجزائرية وتكرّس صورتها كأرض للحوار والتعدد الحضاري.




